السيد الطباطبائي
71
الإنسان والعقيدة
وقوله : كُنْتُمْ تُوعَدُونَ مشعر بكون البشارة بعد الدنيا ، وهي الآخرة ، ومن المعلوم أنّ البشارة بالشيء قبل حلوله ، فالبشرى بالجنّة قبل دخولها ، وهي إنّما تكون بأمر قطعي الوقوع ، فلا تتحقّق في الدنيا حتّى الموت لبقاء الاختيار ، وإمكان انتقال الإنسان من أحد سبيلي السعادة والشقاوة إلى الآخر . ومن هنا ما ترى أنّه سبحانه في قوله : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ « 1 » . حيث أثبت في حقّ المؤمنين أنّهم مأمونون من الخوف والحزن ، وأنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا ، أثبت قبل ذلك الولاية في حقّهم ، وهي أن يكون سبحانه هو الذي يلي أمورهم من غير دخالة اختيارهم وآنية أنفسهم في التدبير ، وعند ذلك تصحّ البشارة لعدم إمكان شقاء في حقّهم ما ولي أمرهم الحقّ سبحانه ، ولذلك غيّر السياق في وصف تقواهم ، فقال : وَكانُوا يَتَّقُونَ الخ . وكان حقّ ظاهر السياق أن يقول : « آمنوا واتّقوا » إشارة إلى أنّ إيمانهم هذا مكتسب بالتقوى بعد إيمان سابق عليه ، وهذا صفاء الإيمان من شائبة الشرك المعنوي بالاعتماد على غيره سبحانه ، فهو في مساق قوله سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ « 2 » . وهذا هو الذي امتنّ سبحانه به فسمّاه « نعمة » فقال : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ « 3 » ، فارجعوا الأمر إليه سبحانه ، وسلبوا تدبير أنفسهم واختيارها ، فقال سبحانه :
--> ( 1 ) سورة يونس : الآيات 62 - 64 . ( 2 ) سورة الحديد : الآية 28 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 173 .